محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
85
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
المجهول ، وانتهاك الحدود المضروبة على المعرفة وتجاوزها أو تخطّيها بفضل الإلهام المستمر الذي يزوده اللّه به . وهذه التركيبة النفسية الاستثنائية يعاد تجسيدها من حين لآخر في أنبياء أو مرسلين جدد . وبالتالي ، فهناك استمرارية تواصلية للنموذج النبوي الهادف إلى هداية البشر من دون أن يفرض نفسه عليهم عن طريق القسر والإكراه . وذلك على عكس سلطة الأباطرة أو الملوك أو الخلفاء أو السلاطين المتجسّدة في الدولة والتي تفرض نفسها على الجميع عن طريق القوة . فالنبي مطاع عن طريق « مديونيّة المعنى » التي يشعر بها كل عضو من أعضاء الجماعة تجاهه بعد أن يسمع كلامه الوحيّ المضمونة صحته من قبل اللّه ذاته . إن مجمل هذه المفاهيم ، والأسماء ، والآليّات التي ترسّخ فضاء خصوصيا من التواصل والممارسة العملية متجمعة كلها في الوحي . والوحي نفسه لا ينفصل عن الوظيفة النبوية . فالوحي ليس كلاما معياريا نازلا من السماء من أجل إكراه البشر على تكرار نفس طقوس الطاعة والممارسة إلى ما لا نهاية ، وإنما يقترح معنى للوجود . وهو معنى قابل للمراجعة والنقض ( انظر الآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن ) . كما أنه - أي هذا المعنى - قابل للتأويل داخل إطار الميثاق أو العهد المعقود بكل حرية بين الإنسان واللّه . بعد أن فهمنا الوحي على هذا النحو ، نستطيع أن نقيس حجم الانحرافات الايديولوجية التي تصيب الوحي والوظيفة النبوية عندما يصبحان أدوات متميّزة وفعّالة لإضفاء المشروعية على السلطة الإمبراطورية ، أو الملكية ، أو الخليفية . كما ونكتشف أيضا الرهانات الحقيقية التي لم تدرك حتى الآن بشكل جيد أو لم تفهم في كل أبعادها ومغازيها ، ولم تقيّم أهميتها كما ينبغي . وأقصد بها الرهانات المتعلّقة بتلك القطيعة الكبرى التي فرضتها الثورة الفرنسية . فهذه الثورة إذ أحلّت الاقتراع العام محل الوظيفة النبوية بصفتها الذروة العليا للمشروعية ، أو لاضفاء المشروعية على السلطة السياسية ، فإنها في الواقع حذفت نظاما معيّنا لإنتاج المعنى وتسييره من أجل فرض نظام آخر . وقد تمّت عملية الاستبدال هذه في الدم ، أي من خلال سفك الدماء الغزيرة كما هو معروف . ولكنها لم تحدّد في الوقت ذاته شروط صلاحية ومشروعية هذه القطيعة . كان رولان بارت R . Barthes قد كتب مقالة عن فولتير قال فيها إنّ عقل التنوير قد خلع على معاركه هيئة العيد المبتهج . وعندئذ أعتقد الناس أنهم سائرون بكل قصد وتصميم نحو التقدّم ، والحرية ، ونهاية الخرافات والخزعبلات ، وكذلك نهاية الاستبداد المطلق المؤبّد شرعيا من قبل المعتقدات الدينية . أمّا اليوم ، فإن العقل أصبح في حالة أكثر ارتيابية ونقدية . إنه يتمنى لو يستطيع العودة إلى الفرحة الظافرة والبهيجة للتنوير ، ولكنه لا يستطيع أن يتغافل عن الإخفاقات الصارخة لعقل التنوير منذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم . وأقصد بها الهيمنة الاستعمارية ، والاستبداد الشيوعي ، والنازية ، والليبرالية